أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

357

شرح مقامات الحريري

المقامة التاسعة والعشرون وهي الواسطيّة حكى الحارث بن همّام قال : ألجأني حكم دهر قاسط ، إلى أن أنتجع أرض واسط ، فقصدتها وأنا لا أعرف بها سكنا ، ولا أملك فيها مسكنا . ولمّا حللتها حلول الحوت بالبيداء ، والشّعرة البيضاء في اللّمّة السوداء ، قادني الحظّ النّاقص ، والجدّ الناكص ، إلى خان ينزله شذّاذ الآفاق ، وأخلاط الرّفاق ، وهو لنظافة مكانه ، وظرافة سكّانه ، يرغّب الغريب في إيطانه ، وينسيه هوى أوطانه فاستفردت منه بحجرة ، ولم أنافس في أجرة ، فما كان إلّا كلمح طرف ، أو خطّ حرف ؛ حتّى سمعت جاري بيت بيت ، يقول لنزيله في البيت : * * * ألجأني : اضطرني . قاسط : جائر . أنتجع : أقصد لطلب الرزق . [ واسط ] واسط : بلد معروف بناه الحجاج وسط المسافة التي بين البصرة والكوفة ، منها إلى كل واحدة منهما خمسون فرسخا ، وسكنه ، ومات فيه . قال اليعقوبيّ : واسط مدينتان على حافتي دجلة ، فالمدينة القديمة التي هي : منازل الدهاقين هي الشرقية من دجلة ، وهي مدينة كسكر وابتنى الحجاج مدينة في الجانب الغربيّ ، وجعل بينهما جسرا من السفن ، وبنى بها قصره والقبة الخضراء التي يقال لها خضراء واسط والمسجد الجامع ، وعليها سور ، ونزلتها الولاة بعد الحجاج . وهي بين البصرة والكوفة والأهواز متوسطة ، فسمّيت واسط بذلك . قال الطبريّ خرج الحجاج يرتاد منزلا لأهل الشام ، فأمعن حتى نزل أطراف كسكر ، فبينما هو كذلك ؛ إذ هو براهب قد أقبل على أتان له ، فعبر دجلة ، فلما كان بموضع واسط ، تفاجّت الأتان فبالت ، فنزل الراهب فاحتفر ذلك البول وحمله حتى رمى به دجلة ، وذلك بعين الحجاج ، فقال : عليّ به ، فلما أتاه قال : ما حملك على ما صنعت ؟ فقال : إنا نجد في كتبنا أنه يبنى في هذا الموضع مسجد يعبد اللّه فيه ما دام أحد في